جبار، ولا لخوف جيش جرار، ولا عن رهبة ولا عن صغار، لكن لتمام المقدار، وانقطاع الآثار، وسلطان العزيز الجبار، فمن رأى أثري، وعرف خبري، وطول عمري، ونفاذ بصري، وشدة حذري، فلا يغتر بالدنيا بعدي، فإنها غرارة تأخذ منك ما تعطي، وتسترجع ما تولي». وكلام كثير يُري فناء الدنيا ويمنع من الاغترار بها والسكون إليها.
ونزل الاسكندر متفكرًا يتدبر هذا الكلام ويعتبره، ثم بعث فحشر الصناع من البلاد، وخط الأساس، وجعل طولها وعرضها اميالا، وحشد إليها العمد والرخام، وأتته المراكب فيها انواع الرخام، وأنواع المرمر والأحجار، من جزيرة صقلية، وبلاد إفريقية، وإقريطش، وأقاصي بحر الروم مما يلي مصبه من بحر أوقيانوس، وحمل اليه أيضًا من جزيرة رودس وهي جزيرة مقابلة للاسكندرية على ليلة منها في البحر، وهي أول بلاد الافرنجة، وهذه الجزيرة في وقتنا هذا، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، دار صناعة الروم، وبها تنشأ المراكب الحربية، وفيها خلق كثير من الروم، ومراكبهم تطرق بلاد الاسكندرية وغيرها من بلاد مصر فتُغِيرُ وتأسر وتسبي.
وأمر الاسكندر الفعلة والصناع أن يدوروا بما رسم لهم من اساس سور المدينة، وجعل على كل قطعة من الأرض خشبة قائمة، وجعل من الخشبة الى الخشبة حبالًا منوطة بعضها ببعض، وأوصل جميع ذلك بعمود من الرخام، وكان أمام مضربه، وعلق على العمود جرسًا عظيما مصوتًا، وأمر الناس والقُوَّام على البنَّائين والفَعَلة والصناع أنهم إذا سمعوا صوت ذلك الجرس وتحركت الحبال وقد علق على