فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 1697

ذلك ثواب خرج من معقول كلام العرب ومفهوم خطابها، لأنه لا يقال لمن أعطى الأجير أجرته ووفّى العامل ثوابه: قد اختص فلان فلانًا بعطيته، وإنما يقال ذلك إذا تطوع عليه بالعطية بغير عمل ومنعها غيره بغير جرم، وإن زعموا أنه تفضُّلٌ قلنا لهم: فإذا جاز أن يصرف الله عز وجل رحمته إلى بعض خلقه بغير عمل استحقوها به فَلِمَ لا يجوز أن يشرفهم بأنسابهم، وإن لم تكن الأنساب من أعمالهم؟! فإن قالوا: ليس من العدل أن يشرفهم بغير أعمالهم، قلنا لهم: أرأيتكم إن عارضكم معارض، فزعم أنه ليس من العدل أن يمن عليهم برحمته دون غيرهم بغير عمل كان منهم، وبغير معصية كانت من غيرهم، ما ذا يكون الفصل بينكم معاشر الشعوبية وبينه، وقد أخبر الله عمن اصطفاه من خلقه فقال: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض، والله سميع عليم؟

والواجب على ذي النسب الشريف، والمجد الرفيع، أن لا يجعل ذلك سلمًا إلى التراخي عن الأعمال الموافقة لنسبه، والاتكال على آبائه، فإن شرف الأنساب يحض على شرف الأعمال، والشريف بهذا أولى، إذ كان الشرف يدعو إلى الشرف ولا يثبط عنه، كما أن الحسن يدعو الى الحسن ويحرك عليه وأكثر الممدوحين إنما مدحوا بأعمالهم دون أنسابهم، وهذا كثير في أشعار الناس ومنثور كلامهم، وقد قال الشاعر في هاشم بن عبد مناف وهو إمام ذوي الأنساب:-

عَمْرو الذي هَشَمَ الثريد لقومه ... ورجال مكة مُسْنِتُونَ عِجَافُ

فمدحه بعمله، ولم يذكر نسبه، وإن كان شريفًا رفيعًا، وإنما ينبغي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت