نعم، قال: فما دَهَمَكِ فأذهب محمودات شيمك؟ وأين تتابع نعمتك وسطوات نقمتك؟ فقالت: يا عمرو، إن للدهر لسطوات وعثرات وعبرات، تعثر بالملوك وأبنائهم، فتخفضهم بعد رفعة، وتفردهم بعد منعة، وتذلهم بعد عزة، إن هذا لأمر كنا ننتظره، فلما حل بنا لم ننكره، قال: فأكرمها سعد، وأحسن جائزتها، فلما أرادت فراقه قالت: حتى أحييك بتحية ملوكنا بعضهم لبعض، لا نَزَعَ الله من عبد صالح نعمة إلا جعلك سببًا لردها عليه! ثم خرجت من عنده فلقيها نساء المدينة، فقلن لها: ما فعل بك الأمير؟ قالت: حاط لي ذمتي، وأكرم وجهي، إنما يكرم الكريمَ الكريمُ.
وسنذكر خبر هند بنت النعمان مع المغيرة بن شعبة أيام إمرته على الكوفة، فيما يرد من هذا الكتاب، عند ذكرنا لأخبار معاوية بن أبي سفيان.
قال أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي: فهؤلاء ملوك الحيرة الى أن ظهر الإسلام فأظهره الله، وأذل الكافرين، فجميع من سمينا من هؤلاء الملوك من ولد عمرو بن عدي بن أخت جذيمة الأبرش، على حسب ما قدمنا آنفًا في صدر هذا الباب، ثم جاء الاسلام وملكُ الفرس كسرى أبرويز بن هرمز، فملَّك على العرب بالحيرة إياسَ بن قَبيصة الطائي، فكان ملكه تسع سنين، ولثمانية أشهر، مَضتْ من ملك إياس، كان مبعث رسول الله صلى عليه وسلم، ثم ملك الحيرة جماعة من الفرس، وقد كان قبل عمرو بن عدي ملوك على الحيرة على حسب ما ذكرنا، وكان عدة الملوك بالحيرة ثلاثة وعشرين ملكا من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس، وكان مدة ملكهم ستمائة سنة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر، وقد قيل: إن عُمران الحيرة وبدوه