فصلا من ذلك فيما سلف من هذا الكتاب على ما زعم الأخباريون من العرب، وخروجهم بذلك عن حد المعقول والمعتاد من الأمر المفهوم، بزعمهم أن الله عز وجل حين أهلك هذه الأمة العظيمة المعروفة بوبار كما أهلك طسما وجديسًا وداسمًا وكانت ديار داسم بأرض السماوة فأهلكوا بالريح السوداء الحارة، وداسم كانت ديارهم بالجولان وجازر من أرض نوى من بلاد حوران والبثنية، وذلك بين دمشق وطبرية من أرض الشام، وعملاق وعاد وثمود، وأن الجن كانت تسكن في ديار وبار، وحمتها من كل من أرادها وقصد إليها من الأنس، وأنها كانت أخصب بلاد الله عز وجل وأكثرها شجرًا وأطيبها ثمرًا وعنبًا ونخلا وموزًا، وإن دنا أحد من الناس إلى تلك البلاد غالطًا أو متعمدًا حثت الجن في وجهه التراب، وسفت عليه سَوَافي الرمل، واثارت عليه الزوابع، فإن اراد الرجوع عنها خبلوه وتيهوه، وربما قتلوه، وهذا الموضع عند كثير من ذوي الحجا باطل، فإذا قيل لهم: دلونا على جهته، وقِفُونا على حده، زعموا انها من أرادها ألقى على قلبه الصَّرفة، حتى كأنهم بنو إسرائيل الذين كانوا مع موسى في التيه فصدهم الله تعالى عن الخروج، ولم يجعل لهم سبيلا إلى أن تم فيهم مراده، وانتهى فيهم حكمه، وقد قال في ذلك شاعرهم يخبر بمثل ما وصفنا من قولهم في هذه الأرض المجهولة:-
دعا جحفلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتى يهتدي لوبار