متى غرتك من نفسها؟ أبمضاجع آبائك من البلى؟ أم بمصارع أمهاتك من الثرى؟ كم قد عللت بكفك ومرضت بيدك من تبغي له الشفاء وتستوصف له الدواء من الأطباء؟ لم تنفعه بشفائك، ولم تسعف له بطلبتك، قد مثلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك، غدًا لا ينفعك بكاؤك، ولا يغني عنك احباؤك- ولا تسمع في مدح الدنيا احسن من هذا.
ومما حفظ من كلامه في بعض مقاماته في صفة الدنيا أنه قال: الا ان الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وان الآخرة قد دنت مقبلة، ولهذه أبناء، ولهذه أبناء، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، الا وكونوا من الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الاخرة، ان الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطًا والتراب فراشًا والماء طيبًا، وقوَّضوا الدنيا تقويضًا، الا ومن اشتاق الى الجنة سلا عن الشهوات، ومن أشفق من النار رجع عن المحرمات، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات، ومن راقب الآخرة سارع في الخيرات، الا وان للَّه عبادًا كأنهم يرون أهل الجنة في الجنة منعمين مخلدين، ويرون أهل النار في النار معذبين قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، أنفسهم عفيفة، وحاجتهم خفيفة، صبروا أيامًا قليلة فصارت لهم العقبى، راحة طويلة، أما الليل فصافُّو أقدامهم، تجري دموعهم على خدودهم، يجأرون الى ربهم، ويسعون في فكاك رقابهم، واما النهار فعلماء حكماء بررة أتقياء، كأنهم القداح براهم الخوف والعبادة، ينظر اليهم الناظر فيقول: مرضى، وما بالقوم من مرض، ان خولطوا فقد خالطهم امر عظيم من ذكر النار ومن فيها.
وقال لابنه الحسن: يا بني، استغن عمن شئت تكن نظيره، وسل من شئت تكن حقيره، واعط من شئت تكن أميره.