مُضن، وقد حلبت الدهور، وجربت الأمور، فاعرف من تسند إليه عهدك، ومن تولِّيه الأمر من بعدك، واعص رأي من يأمرك ولا يقدر لك، ويشير عليك ولا ينظر لك، فقام الضحاك بن قيس مُغْضَبًا فذكر أهل العراق بالشقاق والنفاق، وقال: اردد رأيهم في نحورهم، وقام عبد الرحمن بن عثمان فتكلم بنحو كلام الضحاك، ثم قام رجل من الأزد، فأشار إلى معاوية وقال: أنت أمير المؤمنين، فإذا مُتَّ فأمير المؤمنين يزيد، فمن أبي هذا فهذا، وأخذ بقائم سيفه فسلَّه، فقال له معاوية: اقعد فأنت من أخطب الناس، فكان معاوية أول من بايع ليزيد ابنه بولاية العهد وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن همام السلولي:-
فإن تأتوا برملة أو بهند ... نبايعها أميرة مؤمنينا
إذا ما مات كسرى قام كسرى ... نعدُّ ثلاثة مُتَنَاسقينا
فيا لهفا لَو أن لنا أنوفا ... ولكن لا نعود كما عنينا
إذًا لضربتُم حتى تعودوا ... بمكة تلعقون بها السَّحِينا
خشينا الغيظ حتى لو شربنا ... دماء بني أمية ما رَوِينا
لقد ضاعت رعيتكم وأنتم ... تصيدون الأرانب غافلينا
وأنفذت الكتب ببيعة يزيد إلى الأمصار، وكتب معاوية إلى مروان بن الحكم- وكان عامله على المدينة- يعلمه باختياره يزيد، ومبايعته إياه بولاية العهد، ويأمره بمبايعته، وأخذ البيعة له على من قبله، فلما قرأ مروان ذلك خرج مغضبًا في أهل بيته وأخواله من بني كنانة، حتى أتى دمشق فنزلها، ودخل على معاوية يمشي بين السِّماطين، حتى إذا كان منه بقدر ما يُسْمعه صوَته سلم، وتكلم بكلام كثير يوبخ به معاوية، منه: أقم الأمور يا ابن أبي سفيان،