أسماء: أيْ بنيّ، لا تقبل خطة تخاف على نفسك منها مخافة القتل، مت كريمًا، وإياك أن تؤسر، أو تعطي بيديك، فقال: يا أمه، إني أخاف أن يمثل بي بعد القتل، فقالت: يا بني، وهل تتألم الشاة من ألم السلخ بعد الذبح؟ ودخلوا على ابن الزبير في المسجد وقت الصلاة، وقد التجأ إلى البيت وهم ينادون: يا ابن ذات النطاقين، فقال ابن الزبير متمثلًا:-
وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها
ونظر إلى طائفة منهم قد أقبلوا نحوه بالسيوف، فقال لأصحابه: من هؤلاء؟ قالوا: أهل مصر، قال: قتلة عثمان أمير المؤمنين ورب الكعبة، فحمل عليهم، فضرب رجلًا منهم به أدمة فقدَّه، وقال: صبرًا يا ابن حام وتكاثر عليه الرجال من أهل الشام ومصر، فلم يزل يضرب فيهم حتى أخرجهم عن المسجد، ورجع إلى البيت وهو يقول:-
ولست بمبتاع الحياة بسبة ... ولا أبتغي من رَهْبَة الموت سلما
فاستلم الحجر، ثم تكاثروا عليه، فحمل عليهم، وهو يقول:-
قد سن أصحابك ضرب الأعناق ... وقامت الحرب بنا على ساق
فأتاه حجر فصك جبينه فأدماه وأوضحه، فقال:-
ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تَقْطُر الدما
فكشفهم عن المسجد، ورجع على من بقي من أصحابه عند البيت، فقال لهم: ألقوا أغماد السيوف، وليصن كل رجل منكم سيفه كما يصون وجهه، لا ينكسر سيف أحدكم فيقعد كالمرأة، ولا يسأل رجل منكم: أين عبد الله من يسأل عني فإنني في الرعيل الأول، ثم أنشأ يقول:-
يا رب إن جنود الشام قد كثروا ... وهَتَّكوا من حجاب البيت أستارا
يا رب إني ضعيف الركن مضطهد ... فابعث إلي جنودًا منك أنصارا