أنا ما دار في نفسك أنه دار في نفسك؟ قلت: يا أمير المؤمنين ما تعزم عليه وما تأمر به؟ فقال: وأقول أنا كأني بك وقد استحسنت ما رأيت منا، فقلت: أي خليفة خليفتنا إن لم يكن يقول: القرآن مخلوق، فورد على قلبي أمر عظيم، وهمتني نفسي ثم قلت: يا نفس هل تموتين إلا مرة واحدة، وهل تموتين قبل أجلك، وهل يجوز الكذب في جد أو هزل؟ فقلت: والله يا أمير المؤمنين ما دار في نفسي إلا ما قلت. أطرق مليا، ثم قال: ويحك، اسمع مني ما أقول لك، فوالله لتسمعن الحق، فسري عني وقلت: يا سيدي ومن أولى بالحق منك وأنت خليفة رب العالمين، وابن عم سيد المرسلين من الأولين والآخرين؟ فقال لي: ما زلت أقول إن القرآن مخلوق صدرا من خلافة الواثق حتى أقدم علينا ابن أبي دؤاد شيخا من أهل الشام -من أهل أذنة- فأدخل الشيخ على الواثق وهو جميل الوجه، تام القامة، حسن الشيبة، فرأيت الواثق قد استحيا منه ورق له، فمازال يدنيه [1] ويقربه حتى قرب منه، فسلم الشيخ فأحسن السلام، ودعا فأبلغ وأوجز، فقال له الواثق: اجلس، ثم قال له: يا شيخ ناظر ابن أبي دؤاد على ما يناظرك عليه، فقال الشيخ: يا أمير المؤمنين ابن أبي دؤاد يقل ويضعف عن المناظرة، فغضب الواثق وعاد مكان الرقة له غضبا عليه، فقال أبو عبدالله: ابن أبي دؤاد يصبو ويقل ويضعف عن مناظرتك أنت؟
فقال الشيخ: هون عليك يا أمير المؤمنين ما بك، وائذن لي في مناظرته.
(1) في الأصل (يدينه) ولعل الصواب ما أثبتناه.