ما دعا الناس كلهم إليه، ولو كتم شيئا لما بلغ كما أمر، ومن قال هذا، فهو كافر بإجماع الأمة. وأصل كل بدعة في الدين البعد عن كلام السلف والانحراف عن اعتقاد الصدر الأول، حتى بالغ القدري في القدر، فجعل العبد خالقا لأفعاله، وبالغ الجبري في مقابلته، فسلب عنه الفعل والاختيار، وبالغ المعطل في التنزيه فسلب عن الله تعالى صفات الجلال ونعوت الكمال، وبالغ المشبه في مقابلته، فجعله كواحد من البشر، وبالغ المرجئ في سلب العقاب، وبالغ المعتزلي في التخليد في العذاب، وبالغ الناصبي في دفع علي رضي الله عنه عن الإمامة، وبالغت الغلاة حتى جعلوه إلها، وبالغ السني في تقديم أبي بكر رضي الله عنه، وبالغ الرافضي في تأخيره حتى كفره، وميدان الظن واسع وحكم الوهم غالب، فتعارضت الظنون وكثرت الأوهام وبلغ كل فريق في الشر والعناد والبغي والفساد إلى أقصى غاية وأبعد نهاية، وتباغضوا وتلاعنوا، واستحلوا الأموال واستباحوا الدماء، وانتصروا بالدول، واستعانوا بالملوك، فلو كان أحدهم إذا بالغ في أمر نازع الآخر في القرب منه، فإن الظن لا يبعد عن الظن كثيرا، ولا ينتهي في المنازعة إلى الطرف الآخر من طرفي التقابل، لكنهم أبوا إلا ما قدمنا ذكره من التدابر والتقاطع، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك. [1]
يتلخص من هذه الكلمة المباركة الأمور الآتية:
(1) الخطط (2/362) .