يسموا واحدا من هؤلاء متقيا، ولا ورعا، وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقى والورع، وذلك أنه يتقي أن يكفر أو يشرك بالله شيئا، وكذلك يتقي الله أن يترك الغسل من الجنابة أو الصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو في جميع ذلك متق، وقد أجمع المسلمون من المخالفين والموافقين أنهم لا يسمونه متقيا، ولا ورعا، إذا كان يأتي بالفجور، فلما أجمعوا أن أصل التقى والورع ثابت فيه، وأنه قد يزيد فيه فروعا بعد الأصل كتورعه عن إتيان المحارم، ثم لا يسمونه متقيا ولا ورعا مع إتيانه بعض الكبائر، وسموه فاسقا وفاجرا مع علمهم أنه قد أتى بعض التقى والورع، فمنعهم من ذلك أن اسم التقى اسم ثناء وتزكية، وأن الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة.
قالوا: فكذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا زانيا، وإن كان أصل في قلبه اسم الإيمان، لأن الإيمان اسم أثنى الله به على المؤمنين وزكاهم به، فأوجب عليه الجنة، فمن ثم قلنا:"مسلم"ولم نقل:"مؤمن".
قالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق أن لا يكون في قلبه إيمان، ولا إسلام من الموحدين، لكان أحق الناس بذلك أهل النار الذين دخلوها، فلما وجدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر أن الله يقول:"أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان"ثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان، ولما وجدنا الأمة يحكم عليهم بالأحكام التي ألزمها الله المسلمين، ولا يكفرونهم ولا يشهدون لهم بالجنة، ثبت أنهم مسلمون، إذ أجمعوا أن يمضوا عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين، إذ كان الإسلام ثبتا للملة التي يخرج بها المسلم من جميع الملل، فتزول عنه أسماء الملل، إلا اسم الإسلام،