خاف على نفسه الفتنة لبقائه بأرض ينفذ فيها في العلم قول خلاف الحق عنده، وربما كان ذلك منه أنفة لمجاورة من رد عليه سنة علمها من سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيه، وقد تضيق صدور العلماء عند مثل هذا، وهو عندهم عظيم: رد السنن بالرأي.
وجائز للمرء أن يهجر من خاف الضلال عليه، ولم يسمع منه، ولم يطعه، وخاف أن يضل غيره، وليس هذا من الهجرة المكروهة؛ ألا ترى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن لا يكلموا كعب بن مالك حين أحدث في تخلفه عن تبوك ما أحدث، حتى تاب الله عليه [1] ، وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام معه. وقد حلف ابن مسعود أن لا يكلم رجلا رآه يضحك في جنازة:
أخبرنا عبدالرحمن بن يحيى، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، قال: حدثنا عبدالملك بن بحر، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا العباس بن الوليد، قال: حدثنا سفيان عن عبدالرحمن بن حميد الرؤاسي، عن رجل من عبس، أن ابن مسعود رأى رجلا يضحك في جنازة، فقال: تضحك وأنت في جنازة؟ والله لا أكلمك أبدا.
وغير نكير أن يجهل معاوية ما قد علم أبو الدرداء وعبادة؛ فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم. [2]
(1) أحمد (3/456-459) والبخاري (8/436/4677) ومسلم (4/2120-2128/2769) وأخرجه أبو داود (2/652/2202) والترمذي (5/263-264/3102) والنسائي (6/464-465/3423) مختصرا.
(2) فتح البر (1/178-179) .