وفي مواضع يعبر على خشبة، فإذا أزيلت الخشبة، انقطع الدرب، وهي مسافة يوم، فشرع أتباعه يغيرون ويقتلون، وكثروا وقووا، ثم غدر بأهل تينملل الذين آووه، وأمر خواصه، فوضعوا فيهم السيف، فقال له الفقيه الإفريقي أحد العشرة من خواصه: ما هذا؟! قوم أكرمونا وأنزلونا نقتلهم!! فقال لأصحابه: هذا شك في عصمتي، فاقتلوه فقتل.
قال اليسع: وكل ما أذكره من حال المصامدة، فقد شاهدته، أو أخذته متواترا، وكان في وصيته إلى قومه إذا ظفروا بمرابط أو تلمساني أن يحرقوه.
فلما كان عام تسعة عشر وخمس مائة، خرج يوما، فقال: تعلمون أن البشير -يريد الونشريسي- رجل أمي، ولا يثبت على دابة، فقد جعله الله مبشرا لكم، مطلعا على أسراركم، وهو آية لكم، قد حفظ القرآن، وتعلم الركوب، وقال: اقرأ، فقرأ الختمة في أربعة أيام، وركب حصانا وساقه، فبهتوا، وعدوها آية لغباوتهم، فقام خطيبا، وتلا: لِيَمِيزَ { اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ } الطَّيِّبِ [1] ، وتلا: مِنْهُمُ { الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } (110) [2] ، فهذا البشير مطلع على الأنفس، ملهم، ونبيكم - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن في هذه الأمة محدثين، وإن عمر منهم" [3] وقد صحبنا أقوام أطلعه الله على سرهم، ولا بد
(1) الأنفال الآية (37) .
(2) آل عمران الآية (110) .
(3) أحمد (2/339) والبخاري (7/52/3689) والنسائي في الكبرى (5/40/8120) كلهم أخرجه من حديث أبي هريرة. وفي الباب من حديث عائشة رضي الله عنها.