وأما الحنابلة فأنكروا ذلك عليه، وفوقوا سهام الانتقاد إليه، وقالوا له كان ينبغي لك أن تسكت كما سكت الأيمة قبلك من السلف الصالح المهتدين الذين يرون أن الخوض في علم الكلام من البدع المحدثة في الدين، أما لك فيهم إسوة أفلا وسعك ما وسعهم من السكوت عن تلك الهفوة. فطريق الحنابلة في الاعتقاد سهلة المرام، منزهة عن التخيلات والأوهام، موافقة لاعتقاد الأيمة كما سبق مع السلف الصالح من الأنام أعاشنا الله على ما عاشوا عليه وأماتنا على ما ماتوا عليه.
قال عبدالحفيظ الفاسي في 'الآيات البينات' [1] : ولما جلس على عرش مملكة المغرب السلطان المعظم أبو عبدالله محمد بن عبدالله بن إسماعيل العلوي قام في أوائل القرن الثالث عشر بنصرة هذا المذهب [2] وصرح في أول كتابه الفتوحات الكبرى [3] بكونه مالكي المذهب حنبلي العقيدة وافتتح كتابه بعقيدة الرسالة [4] لكونها على مذهب السلف وعقد في آخره بابا بين فيه وجه كونه حنبلي العقيدة ونصره ولم يزل معلنا بذلك في مؤلفاته ورسائله ومجالسه العلمية. وقد نقل عنه أبو القاسم الزياني أنه كان يطعن في الرحالة ابن بطوطة ويلمزه في عقيدته ويكذبه فيما ذكر في رحلته من أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان يقرر يوما حديث النزول، فنزل عن كرسيه وقال كنزولي هذا، ويبرئ
(1) ص.301).
(2) أي مذهب السلف.
(3) هو الفتوحات الإلهية في أحاديث خير البرية.
(4) رسالة ابن أبي زيد القيرواني.