به ويفزعون في مهماتهم إليه، معتقدين أن التقرب إليه نافع والانحراف عنه قيد شبر ضار، مع أن النافع والضار هو الله وحده. وإذا ذكر لهم شيخ آخر أودعوا إليه، حاصوا حيصة حمر الوحش من غير تبصر في أحواله: هل يستحق ذلك التعظيم أم لا. فصار الأمر عصبيا، وصارت الأمة بذلك طرائق قددا، ففي كل بلد أو قرية عدة طوائف، وهذا لم يكن معروفا في سلف الأمة الذين هم القدوة لمن بعدهم. وغرض الشارع إنما هو في الاجتماع وتمام الألفة واتحاد الوجهة وقد قال تعالى لأهل الكتاب: تَعَالَوْا { إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا } وَبَيْنَكُمْ [1] الآية. وقد ذم قوما فرقوا دينهم وكانوا شيعا... ثم استرسل هؤلاء الطّغام في ضلالهم، حتى صارت كل طائفة تجتمع في أوقات معلومة في مكان مخصوص -أو غيره- على بدعتهم التي يسمونها الحضرة. فما شئت من طست وطار، وطبل ومزمار وغناء ورقص، وخبط وفحص، وربما أضافوا إلى ذلك نارا أو غيرها، يستعملونه على سبيل الكرامة بزعمهم. ويستغرقون في ذلك الزمن الطويل حتى يمضي الوقت والوقتان من أوقات الصلوات، وداعي الفلاح ينادي على رؤوسهم، وهم في حيرتهم يعمهون، لا يرفعون به رأسا، ولا يرون بما هم فيه من الضلال بأسا، بل يعتقدون أن ما هم فيه من أفضل القرب إلى الله، تعالى الله عن جهالتهم علوا كبيرا.
ولا تجد في هذه المجامع الشيطانية غالبا إلا من بلغ الغاية في الجفاء والجهل ممن لا يحسن الفاتحة فضلا عن غيرها، مع ترك الصلاة طول عمره،
(1) آل عمران الآية (64) .