يقول: الْيَوْمَ { أَكْمَلْتُ لَكُمْ } دِينَكُمْ [1] فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا.
فالمبتدع معاند للشارع ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين لمطالب العبد طرقا خاصة ووجوها خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعديها إلى غير ذلك، لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين. فالمبتدع راد لهذا كله، فإنه يزعم أن ثم طرقا أخر؛ ليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عينه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضا نعلم، بل ربما يفهم من استدراكه الطرق على الشارع؛ أنه علم ما لم يعلمه الشارع؛ وهذا إن كان مقصودا للمبتدع فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود فهو ضلال بَيِّنٌ. وإلى هذا المعنى أشار عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه إذ كتب له عدي بن أرطأة يستشيره في بعض القدرية، فكتب إليه: أما بعد فإني أوصيك بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ، وترك ما أحدث المحدثون فيما قد جرت سنته وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطإ والزلل والحمق والتعمق. فارض لنفسك بما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، وهم على كشف الأمور أقوى وبفضل كانوا فيه أحرى. فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من اتبع غير سنتهم ورغب بنفسه عنهم، إنهم
(1) المائدة الآية (3) .