3-بدرت في وقتنا هذا بوادر سوء من أناس تكلمت بها ألسنتهم، وخطتها أقلامهم وتوقحوا على نشرها في كتبهم ومجلاتهم، ألا وهي: قولهم في تصنيف بعض السنن: هذا من الجزئيات، وهذا من القشور، وهذا من الأمور التافهة التي لا ينبغي أن يضيع الوقت في الدعوة إليها، ولا يدري هؤلاء الجهلة لوازم أقوالهم، فيمثلون دائما بالأكل باليمين وإعفاء اللحية ومع ذلك تجدهم متساهلين في البدع، متصادقين مع المبتدعة، وأحيانا يكونون منهم، فليرد هؤلاء على ابن مسعود، وليعتبروا أنفسهم أحسن منه عقلا وعلما، ولا أستبعد أن يؤدي ببعضهم الغرور إلى التجرء على ذلك.
-روى الدارمي بسنده إلى عمر بن يحي قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال كنا نجلس على باب عبدالله بن مسعود قبل صلاة الغداة فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أخرج إليكم أبو عبدالرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج فلما خرج قمنا إليه جميعا. فقال له أبو موسى: يا أبا عبدالرحمن، إني رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة؟ فيكبرون مائة. فيقول: هللوا مائة؟ فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة؟ فيسبحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا. انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم. ثم مضى ومضينا معه،