فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 1697

سخونة، ولو كانت الشمس علة مَدّه، لكان يمد مع بدء طلوع الشمس، ويجزر مع غيبتها، فزعم هؤلاء أن علة الجزر والمد في الأبحر تتولد من الأبخرة التي تتولد من بطن الأرض، فإنها لا تزال تتولد حتى تكثف وتكثر، فتدفع حينئذ ماء هذا البحر لكثافتها، فلا تزال كذلك حتى تنقص مواردها من أسفل، فإذا انقطعت موادها تراجع الماء حينئذ الى قعر البحر، وكان الجزر من أجل ذلك، والمدُّ ليلًا ونهارًا، وشتاء وصيفًا، وفي غيبة القمر وفي طلوعه، وكذلك في غيبة الشمس وطلوعها، قالوا: وهذا يدرك بالحس، لأنه ليس يستكمل الجزر آخره حتى يبدأ أول المد، ولا ينقضي آخر المد حتى يبتدئ أول الجزر، لأنه لا يتغير توالد تلك البخارات، حتى إذا خرجت تولَّد غيرها مكانها، وذلك ان البحر إذا غارت مياهه ورجعت الى قعره تولدت تلك الأبخرة لمكان ما يتصل منها من الارض بمائه، وكلما عاد تولدت، وكلما فاض نقصت.

وذهب آخرون من أهل الديانات أن كل ما لم يعرف له من الطبيعة مجرى ولا يوجد له فيها قياس فهو فعل الإله، يدل على توحيد الله عز وجل وحكمته، فليس للمد والجزر علة في الطبيعة البتة، ولا قياس.

وقال آخرون: ما هَيَجَان ماء البحر الا كهيجان بعض الطبائع، فإنك ترى صاحب الدم وصاحب الصفراء وغيرهما تهتاج طبيعته ثم تسكن، وكذلك مواد تمدها حالًا بعد حال، فإذا قويت هاجت، ثم تسكن قليلًا قليلًا حتى تعود.

وذهبت طائفة أخرى الى ابطال سائر ما وصفنا من القول، وزعموا أن الهواء المطلَّ على البحر يستحيل دائمًا، فإذا استحال عظم ماء البحر وفاض عند ذلك، وإذا فاض البحر فهو المد، فعند ذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت