الأمر لم يبلغ عند خليفتك ما تكره، ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال، فأراد أن يجيب الى الرجوع، فقال له مالك بن الهيثم: لا تفعل، فقال لمالك: ويلك! لقد بليت بإبليس وما بليت بمثل هذا قط، يعني الجريري، فلم يزل به حتى أقبل به على المنصور، وكان أبو مسلم يجد خبره في الكتب السالفة ونعته وأنه يقتل بالروم، وكان يكثر من قول ذلك، وأنه يقتل بالروم على حسب ما وجد في الملاحم وأنه يميت دولة ويحيي أخرى، فلما دخل على المنصور وقد تلقاه الناس رَحَّبَ به وعانقه وقال له: كدت ان تمضي قبل أن أقضي عليك بما أريد، قال: فقد أتيت يا أمير المؤمنين فأمر بأمرك، فأمره بالانصراف الى منزله، وانتظر فيه الفرص والغوائل، فركب أبو مسلم الى المنصور مرارًا وهو لا يظهر له شيئًا، ثم ركب وقد أظهر له التجنِّيَ، فسار أبو مسلم الى عيسى بن موسى، وكان له فيه رأي جميل، فسأله الركوب معه الى المنصور ليعذله بحضرته، فأمره أن يتقدمه الى المنصور فإنه بالأثر، فتقدم أبو مسلم الى مَضْرب المنصور، وهو على دجلة برومية المدائن، فدخل وجلس تحت الشراع، وقيل الرواق، فأخبر ان المنصور يتوضأ للصلاة، وكان المنصور قد تقدم الى صاحب حَرَسه عثمان بن نهيك، في عدة فيهم شبيب بن رواح المروروذي وأبو حنيفة حَرْب بن قيس، وأمرهم أن يقوموا خلف السرير الذي كان وراء أبي مسلم وأمرهم أنه إذا عاتبه وظهر صوته لا يظهروا، فإذا صفق بيد على يد فليظهروا، وليضربوا عنقه وما أدركوا منه بسيوفهم، وجلس المنصور، فقام أبو مسلم من موضعه ودخل فسلم عليه، فردّ عليه، وأذن له بالجلوس، وحادثه ساعة، ثم أقبل يعاتبه ويقول: فعلت وفعلت، فقال أبو مسلم: ليس يقال هذا لي بعد بلائي وما كان مني، فقال له: يا ابن الخبيثة وإنما فعلت ذلك بجدِّنا وحظوظنا ولو كان مكانك أمة سوداء لأجْزَتْ، ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك والكاتب إليّ تخطب آسية بنت علي وتزعم انك ابن سليط بن عبد الله