والأنس، فقال: وفقك الله يا أمير المؤمنين! وعزم لك على الرشد في أمورك كلها! قال الرشيد قد زوجتكها تزويجا تملك به مجالستها والنظر إليها والاجتماع بها في مجلس أنا معكما فيه لا سوى ذلك، فزوجه الرشيد بعد امتناع كان من جعفر إليه في ذلك، وأشهد له من حضره من خدمه وخاصة مواليه، وأخذ الرشيد عليه عهد الله ومواثيقه وغليظ أيمانه أنه لا يخلو بها، ولا يجلس معها، ولا يظله وإياها سَقْفُ بيتٍ إلا وأمير المؤمنين الرشيد ثالثهما؟ فحلف له جعفر على ذلك، ورضي به وألزمه نفسه، وكانوا يجتمعون على هذه الحالة التي وصفناها وجعفر في ذلك صارف بصره عنها، مزور بوجهه هيبة لأمير المؤمنين، ووفاء بعهده وأيمانه ومواثيقه على ما وافقه الرشيد عليه وعَلِقَتْه العباسية، وأضمرت الاحتيال عليه وكتبت إليه رقعة، فردَّ رسولها وشتمه وتهدَّده، وعادت فعاد بمثل ذلك، فلما استحكم اليأس عليها قصدت لأمه، ولم تكن بالحازمة، فاستمالتها بالهدايا من نفيس الجواهر والألطاف، وما أشبه ذلك من كثرة المال وألطاف الملوك، حتى إذا ظنت أنها لها في الطاعة كالأَمة، وفي النصيحة والإشفاق كالوالدة، ألقت إليها طرفا من الأمر الذي تريده، وأعلمتها ما لها في ذلك من حميد العاقبة، وما لابنها من الفخر والشرف بمصاهرة أمير المؤمنين، وأوهمتها أن هذا الأمر إذا وقع كان به أمان لها ولولدها من زوال النعمة وسقوط مرتبته، فاستجابت لها أم جعفر، ووعدتها بإعمال الحيلة في ذلك، وانها تلطف لها حتى تجمع بينهما، فأقبلت على جعفر يومًا فقالت له: يا بني، قد وُصفت لي وصيفة في بعض القصور من تربية الملوك قد بلغت من الأدب والمعرفة والظَّرْفِ والحلاوة مع الجمال الرائع والقَدِّ البارع والخصال المحمودة ما لم ير مثله، وقد عزمت على اشترائها لك، وقد قرب الأمر بيني وبين مالكها، فاستقبل جعفر كلامها بالقبول، وعَلَّقت بذلك قلبه، وتطلعت