فهرس الكتاب

الصفحة 1281 من 1697

الغربي، وعملت المنجنيقات بين الفريقين وكثر الحريق والهدم ببغداد والكرخ وغيره من الجانبين، حتى درست محاسنها، واشتد الأمر، وتنقل الناس من موضع إلى موضع، وعم الخوف، فقال الشاعر:-

من ذا أصابك يا بغداد بالعين ... ألم تكوني زمانًا قرة العين؟

ألم يكن فيك قوم كان قربهم ... وكان مسكنهم زينًا من الزين؟

صاح الزمان بهم بالمبين فانقرضوا ... ما ذا لقيت بهم من لوعة البين؟

استودع الله قومًا ما ذكرتهم ... إلا تحدَّر ماء الدمع من عيني

كانوا ففرَّقهم دهر وصدّعهم ... والدهر يصدع ما بين الفريقين

ولم تزل الحرب قائمة بين الفريقين اربعة عشر شهرًا، وضاقت بغداد بأهلها، وتعطلت المساجد، وتركت الصلاة، ونزل بها ما لم ينزل بها قط مثله، مذ بناها ابو جعفر المنصور، وقد كان لأهل بغداد في ايام حرب المستعين والمعتز حرب نحو هذا من خروج العيارين الى الحرب وقد اتخذوا خيلًا منهم وأمراء كالملقب بنينويه خالويه وغيرهم، يركب الواحد منهم على واحد من العيارين ويسير الى الحرب في خمسين ألف عراة، ولم ينزل بأهل بغداد شر من هذا الحرب حرب المأمون والمخلوع، وقد استعظم أهل بغداد ما نزل بهم في هذا الوقت في سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة من خروج أبي إسحاق المتقي للَّه عنهم، وما كان قبل هذا الوقت من البريديين، وابن رائق وتوزون التركي، وما دفعوا اليه من الوحشة بخروج أبي محمد الحسن بن أبي الهيجاء عبد الله بن حمدان الملقب بناصر الدولة وأخيه علي بن عبد الله الملقب بسيف الدولة عليهم، لبعد العهد مما حلَّ بالمنازل بها، وطول السنين، وغيبة ذلك عنهم وبعدهم منه، وتقدم مثل أولئك العيارين الذين كانوا في ذلك العصر، واشتد الأمر بين المأمونية والعراة وغيرهم من اصحاب المخلوع، وحوصِرَ محمد في قصره من الجانب الغربي، فكان بينهم في بعض الأيام وقعة تفانى فيها خلق كثير من الفريقين، فقال في ذلك حسين الخليع:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت