مصعب ما استبقاك، فقال محمد: وكيف لنا بالخلاص إلى هرثمة ولات حين مناص! وراسل هرثمة، ومال إلى جنبته، فوعده هرثمة بكل ما أحبَّ، وأنه يمنعه ممن يريد قتله، وبلغ ذلك طاهرًا، فاشتد عليه وزاد غيظه وحنقه، ووعده هرثمة أن يأتيه في حراقة إلى مشرعة باب خراسان فيصير به إلى عسكره هو ومن أحبَّ، فلما همَّ محمد بالخروج في تلك الليلة- وهي ليلة الخميس، لخمس ليال بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة- دخل إليه الصعاليك من أصحابه، وهم فتيان الأبناء والجند، فقالوا له: يا أمير المؤمنين، ليس معك من ينصحك، ونحن سبعة آلاف رجل مقاتلة، وفي إصطبلك سبعة آلاف فرس يحمل كل منا على فرس ونفتح بعض أبواب المدينة، ونخرج في هذه الليلة، فما يُقْدِمُ علينا أحد إلى أن نصير إلى بلد الجزيرة وديار ربيعة، فنجي الأموال، ونجمع الرجال، ونتوسط الشام وندخل مصر، ويكثر الجيوش والمال، وتعود الدولة مقبلة جديدة، فقال هذا: والله الرأي، فعزم على ذلك وهَمَّ به وجَنَح إليه، وكان لطاهر في جوف دار الأمين غلمانٌ وخَدَم من خاصة الأمين يبعثون إليه بالأخبار ساعة فساعة، فخرج الخبر إلى طاهر من وقته، فخاف طاهر وعلم أنه الرأي إن فعله، فبعث إلى سليمان بن أبي جعفر وإلى ابن نهيك والسندي بن شاهك- وكانوا مع الامين- إن لم تزيلوه عن هذا الرأي لأخرَبنَّ دياركم وضياعكم ولأزيلَنَّ نعمكم ولأتلفَنَّ نفوسكم، فدخلوا على الأمين في ليلتهم، فأزالوه عن ذلك الرأي، وأتاه هرثمة في الحرَّاقة إلى باب خراسان، ودعا الأمين بفرس يقال له الزهيري، أغر محجل أدهم محذوف، ودعا الأمين بابنيه موسى وعبد الله فعانقهما وشمهما وبكى، وقال: الله خليفتي عليكما، فلست أدري أألتقي معكما بعدها أو لا، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، وقُدَّامه شمعة، حتى أتى باب خراسان إلى المشرعة والحراقة قائمة فنزل ودخل الحراقة، فقبل هرثمة بين