فنًا، وقد ذكرنا قول كل فريق منهم وعَزَوْنا كل قول من ذلك إلى قائله، ولم نُخل هذا الكتاب من إيراد لمع من قولهم.
وذهبت طائفة منهم إلى ان البحر بقية من الرطوبة الأولى التي جفَّفَ أكثرها جوهر النار، وما بقي منها استحال لاحتراقه.
ومنهم من قال: إن الرطوبة الأولى المجتمعة لما احترقت بدوران الشمس وانعصر الصَّفْوُ منها استحال الباقي الى ملوحة ومرارة.
ومنهم من رأى أن البحار عَرَقٌ تعرقه الأرض لما ينالها من احتراق الشمس لاتصال دورها.
ومنهم من رأى أن البحر هو ما بقي مما صفَّته الأرض من الرطوبة المائية لغلظ جسمها، كما يعرض في الماء العذب إذا مزج بالرماد، فإنه إذا صفا من الرماد وجد مالحًا بعد أن كان عذبًا.
وذهب آخرون أن الماء عذبه ومالحه كانا ممتزجين، فالشمس ترفع لطيفه وعذبه لخفته.
وبعضهم قال: ترفعه الشمس لتغتذي به، وقال بعضهم: بل يعود بالاستحالة ماء إذا صار بارتفاعه إلى الموضع الذي يحصره البرد فيه، ويكيفه.
ومنهم من ذكر أن الماء الذي هو أُسْطُقُس ما كان منه عن الهواء وما يعرض منه من البرد يكون حلوًا، وما كان معه في الأرض لما يناله من الاحتراق والحرارة يكون مرًا.
ومن أهل البحث من قال: إن جميع الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرض وبطونها، إذا صار إلى تلك الحفرة العظيمة فهو مُضاض من مضاض فالماء عساس مصاص والأرض تقذف اليه