إلفه لأهله، وذَبَّه عن صاحبه، قيل: فما أخذت من الغراب؟ قال: شدة حذره، قيل: فمن الخنزير؟ قال: بكوره في حوائجه، قيل: فمن الهرة؟ قال: حسن نغمتها وتملقها لأهلها عند المسألة.
ومن عاب مثل هذه الاشعار التي ترتاح لها القلوب، وتحرك بها النفوس، وتصغي إليها الاسماع، وتشحذ بها الأذهان، ويعلم كل من له قريحة وفضل ومعرفة ان قائلها قد بلغ في الإجادة أبعد غاية وأقصى نهاية، فإنما غض من نفسه وطعن على معرفته واختياره.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الهوى إلهٌ معبود. واحتج بقوله تعالى: (أ فَرأَيْتَ من اتَّخَذَ إلهَهُ هواهُ) .
ولأبي تمام أشعار حسان، ومعان لطاف، واستخراجات بديعة.
وحكي عن بعض العلماء بالشعر أنه سئل عن أبي تمام، فقال: كأنه جمع شعر العالم، فانتخب جوهره، وقد كان أبو تمام ألَّفَ كتابًا وسمَّاه: «الحماسة» وفي الناس من يسميه كتاب «الخبية» انتخب فيه شعر الناس، ظهر بعد وفاته.
وقد صنف أبو بكر الصولي كتابًا جمع فيه اخبار أبي تمام وشعره وتصرفه في أنواع علومه ومذاهبه، واستدل الصولي على ما وصف عن أبي تمام بما يوجد من شعره، من ذلك قوله في صفة الخمر:-
جَهْمية الأوصاف، إلا أنهم ... قد لَقَّبوها جوهر الأشياء
وقد رثته الشعراء بعد وفاته، والأدباء من إخوانه: منهم الحسن بن وهب الكاتب، وكان شاعرًا ظريفًا له حظ في المنثور والمنظوم، فقال:-
سقى بالموصل الجَدَثَ الغريبا ... سحائِبُ ينتحبن له نحيبا
إذا أطلنه أطلن فيه ... شعيب المزن يتبعها شعيبا
ولَطَّمت البروق له خدودًا ... وشَقَّقت الرعود له جيوبا