وكان لا يجلس الا على قطعة مسح، يشبه ان يكون طوله سبعة اشبار في عرض ذراعين او ارجح، وإلى جانبه ترسه وعليه اتكاؤه، وليس في مضربه شيء غيره، فإذا اراد ان ينام من ليله او نهاره، اضطجع على ترسه، ونزع راية فيجعلها مخدته، واكثر لباسه خفتان مصبوغ فاختي.
وكان من سنته ان للقواد والرؤساء والعظماء عنده مراتب في الدخول بباب مضربه، بحيث تقع عينه عليهم، ويرى مداخلهم، فيمرون مع أطناب الشقاق الى خيمة مضروبة، بحيث لا يرى هو موضعها، لكنه يرى مداخلهم إليها، ومخرجهم منها، فمن احتاج اليه منهم، واحتاج الى كلامه أو أمره أو نهيه، دعاه فأمره، وكان دخولهم بحيث يقع نظره عليهم عوضًا من السلام عليه، ولم يكن لأحد أن يتقدم الى باب مجلسه إلا رجل من خواصه يعرف بالعزيز، وإخوته، وله من وراء خيمته خيمة تقرب من أطناب مجلسه فيها غلمان من خواصه، فإذا احتاج الى أمر يأمر به صاح بهم، فخرجوا اليه، وإلا فهو في أكثر نهاره وليله في ذلك الموضع لا يقومون على رأسه، وخيمته من داخل أخبية مطنبة، كلها يدور فيها خمسمائة غلام، يبيتون من داخل مضربه، على كل نفس منهم ثقة، قد وكل بتفقد أحواله، لئلا يكون منهم عبث أو فساد، فهو المأخوذ به، ويذبح له في كل يوم عشرون شاة، فتطبخ في خمس قدور من الصفر الكبار، وله قدور حجارة يتخذ له فيها بعض ما يشتهيه، وله أرزة في كل يوم وخبيصة وفالوذج مع القدور الخمس، وهي ألوان غليظة، فيأكل منها، ويفرق الباقي في الغلمان الذين في داخل مضربه، ثم أهل عسكره حول مضربه وقربهم منه على حسب مراتبهم عنده.
وقال بعض من ورد اليه برسالة السلطان: أيها الأمير، أنت في رياستك ومجلسك ليس في خيمتك الا سلاحك ومسح أنت عليه، قال: إن رئيس القوم يأتمُّ به أصحابه في ما يظهر من أفعاله وسيرته، فلو استعملت ما ذكرت