والنكاية في حروبهم، فجعلهم اصحاب الاعمدة الذهب، كل عمود منها فيه الف مثقال من الذهب، ثم يليهم في اللباس والغنى فوج ثان هم أصحاب الأعمدة الفضة، فإذا كان في الأعياد، او في الأيام التي يحتاج فيها الى مباهاة الأعداء والاحتفال، دفع اليهم تلك الأعمدة، وإنما ضربت هذه الأعمدة عدة للنوائب.
وسئل بعض ثقاته، ممن ينظر حاله، عن اشتغاله في خلواته، وعن مجالسته مع اهل بطانته، وهل يسمر مع احد او يجالسه، فذكر انه لا يطلع احدًا على سره، ولا يعرف احد بتدبيره وعزمه، واكثر نهاره خاليًا بنفسه يفكر فيما يريده، ويظهر غير ما يضمره، ولا يشرك احدًا فيما يدبره برأي ولا غيره، وإن تفرجه واشتغاله بغلمان صغار يتخذهم، ويؤدبهم ويخرِّجهم، ويدعوهم، ويدفع لهم ما قد عمله لهم من السيور، يتضاربون بها بين يديه، ففي هذا اكثر شغله إذا فرغ من تدبيره.
ولما واقع الصفار الحسن بن زيد الحسني بطبرستان- وذلك في سنة ستين ومائتين، وقيل: نسنة تسع وخمسين ومائتين- وانكشف الحسن بن زيد وأمعن يعقوب في الطلب، وكانت معه رسل السلطان قد قصدوه بكتب ورسالة من المعتمد، وهم راجعون من طلب الحسن بن زيد، قال له بعضهم لما رأى من طاعة رجاله وما كان منهم في تلك الحرب: ما رأيت ايها الأمير كاليوم، قال له الصفار: وأعجب منه ما أريك إياه، ثم قربوا من الموضع الذي كان فيه عسكر الحسن بن زيد، فوجدوا البدر والكراع والسلاح والعدد، وجميع ما خلف في العسكر حين الهزيمة على حاله: لم يلتبس احد من اصحابه منه بشيء، ولا دنوا اليه، معسكرين بالقرب منه بحيث يرونه بالموضع الذي خلفهم فيه الصفار: فقال له الرسول: هذه سياسة ورياضة راضهم الأمير بها الى ان تأتى له منهم ما اراده.