ما فيه، فنقف على الغاية مِنهْ، وأداء ما في مخزونه ومَكنونه، فدعا بالأكَرَةِ وأمرهم بزرع الحب ومراعاته، وما يكون منه، فزرع، فنبت وأقبل يلتف بالشجر ثم حصرم وأعنب، وهم يرمقونه، والملك يراعيه، إلى أن انتهى في البلوغ وهم لا يقدمون على ذوقه خوفًا أن يكون متلفًا، فأمر الملك بعصر مائه، وأن يودع في أواني، وإفراد حب منه وتركه على حالته، فلما صار في الآنية عصيرًا هَدَرَ وقذف بالزبد وفاحت له روائح عبقة، فقال الملك: عليَّ بشيخ كبيرم فان فأتي به، فلدد له من ذلك في إناء فرآه لونًا عجيبًا، ومنظرًا كاملًا، ولونًا ياقوتيًا أحمر، وشعاعًا نيرًا، ثم سقوا الشيخ فما شرب ثلاثًا حتى مال، وأرخى من مآزره الفضول، وصفق بيديه، وحرك رأسه، ووقع برجليه على الأرض، فطرب، ورفع عقيرته يتغنى، فقال الملك: هذا شراب يذهب بالعقل، وأخاف أن يكون قاتلًا، ألا ترى إلى الشيخ كيف عاد في حال الصبا وسلطان الدم وقوة الشباب؟ ثم أمر الملك به فزيد، فسكر الشيخ، فنام، فقال الملك: هلك، ثم ان الشيخ أفاق وطلب الزيادة من الشراب، وقال: لقد شربته فكشف عني الغموم، وأزال عن ساحتي الأحزان والهموم، وما أراد الطائر إلا مكافأتكم بهذا الشراب الشريف، فقال الملك: هذا اشرف شراب اهل الارض، وذلك انه رأى شيخًا حسن لونه، وقوي حيله، وانبسط في نفسه، وطرب في حال طبيعة الحزن وسلطان البلغم، وجاد هضمه، وجاءه النوم، وصفا لونه، واعترته أريحية، فأمر الملك أن يكثر من غرس الكرْم، فكثر الغرس للكرم، وأمر ان يمنع العامة من ذلك، وقال: هذا شراب الملوك، وأنا السبب فيه، فلا يشربه غيري، فاستعمله الملك بقية أيامه، ثم نما