اصف لك من يصلح للملك: أسماهم للمعالي، واطلبهم للأدب، واجزعهم من العامة، وارأفهم بالرعية، وأوصلهم للرحم، وأبعدهم من الظلم، فمن كانت هذه صفته فهو حقيق بالملك.
قال المسعودي: وقد ذكرنا في كتاب «الزلف» الخصالَ التي يستحق بها الملك من وجدت فيه، وما ذكرنا عن حكماء الفرس وأسلافها في ذلك وغيرها من حكماء اليونانيين كأفلاطون، وما ذكره في كتاب السياسة المدنية وغيره ممن تأخر عن عصره.
وذكر عن بزرجمهر انه قال: رأيت من انوشروان خصلتين متباينتين لم أر مثلهما منه، جلس يومًا للناس فدخل رجل من خاصة اهله فنحّاه وزيره، فأمر به ان يقام ويحجب عنه سنة لتعديه المرتبة التي رسمت له وازدياده فيها عن مرتبة غيره في المجلس، ثم رأيته يومًا ونحن عنده في سر من تدبير شيء من المملكة، وخدَمه خلف فراشه وسرير ملكه يتحدثون، فارتفعت أصواتهم حتى شغلونا عن بعض ما كنا فيه، فقلت له واخبرته بتفاوت ما بين الحالتين، فقال لي: لا تعجب فنحن ملوك على رعيتنا، وخدمنا ملوك على أرواحنا ينالون منا في خلوتنا ما لا حيلة لنا في التحرز منهم.
وكان انو شروان يقول: الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل، والعدل بإصلاح العمال، واصلاح العمال باستقامة الوزراء، ورأس الكل تفقُّد الملك أمورَ نفسه واقتداره على تأديبها حتى يملكها ولا تملكه.