قبل أن تسأله، لحِدَّة مزاجه، وحسن قريحته، واعتدال بنيته، واتساعه في علمه، وطبيب لا تخشى معه داء، ولا شيئًا من العوارض، إلا ما يطرأ من الفناء والدثور الواقع بهذه البنية، وحل العقدة التي عقدها المبدع لها المخترع لهذا الجسم الحسي، وإن كانت بنية الإنسان وهيكله قد نصبت في هذا العالم غرضًا للآفات والحتوف والبلايا، وقَدَحٌ عندي إذا أنا ملأته شرب منه عسكرك بجمعه ولا ينقص منه شيء، ولا يزيده الوارد عليه إلا دهاقًا، وأنا مُنْفِذٌ جميع ذلك إلى الملك وصائر إليه، فلما قرأ الإسكندر هذا الكتاب ووقف على ما فيه قال: تكون هذه الأشياء الأربعة عندي، ونجاة هذا الحكيم من صولتي أحب من أن لا تكون عندي ويهلك، فأنفذ إليه الإسكندر جماعة من حكماء اليونانيين والروم في عدة من الرجال، وتقدم إليهم: إن كان صادقًا فيما كتب به فاحملوا ذلك إلي، ودعوا الرجل في موضعه، وإن تبينتم أن الأمر بخلاف ذلك وأنه أخبر عن الشيء على خلاف ما هو به فقد خرج عن حد الحكمة فأشخصوه إلي، فمضى القوم حتى انتهوا إلى الملك فتلقاهم بأحسن لقاء، وأنزلهم أحسن منزل، فلما كان في اليوم الثالث جلس لهم مجلسًا خاصًا للحكماء منهم دون من كان معهم من المقاتلة، فقال بعض الحكماء لبعض: إن صدقنا في الأولى صدقنا فيما بعدها مما ذكر، فلما أخذت الحكماء مراتبها، واستقرت بها مجالسها، أقبل عليهم مباحثًا لهم في أصول الفلسفة والكلام في الطبيعيات وما فوقها من الإلهيات، وعلى شماله جماعة من حكمائه وفلاسفته، فطال الخطب في المبدإ الأول، وتشاحّ القوم، ونظروا في موضوعات العلماء