وفنيت الأزواد والعلوفات، وضاق صدر الرشيد من ذلك، فأحضر أبا إسحاق الفزاري، فقال: يا ابراهيم قد ترى ما نزل بالمسلمين، فما الرأي الآن عندك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قد كنت أشفقت من هذا، وقدمت القول فيه، ورأيت ان يكون الجد والحرب من المسلمين على غير هذا الحصن، وأما الآن فلا سبيل الى الرحيل عنه من بعد المباشرة، فيكون ذلك نقصًا في الملك، ووهنًا في الدين، وإطماعًا لغيره من الحصون في الامتناع عن المسلمين، والمصابرة لهم، لكن الرأي يا أمير المؤمنين ان تأمر بالنداء في الجيش أن أمير المؤمنين مقيم على هذا الحصن الى ان يفتحه الله عز وجل على المسلمين، وتأمر بقطع الخشب وجمع الأحجار وبناء مدينة بإزاء هذا الحصن الى ان يفتحه الله عز وجل، ولا يكون هذا الخبر ينمو إلى أحد من الجيش إلا على المقام، فان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحرب خدعة» وهذه حرب حيلة لا حرب سيف، فأمر الرشيد من ساعته بالنداء، فحملت الأحجار وقطع الأخشاب من الشجر، وأخذ الناس في البناء، فلما رأى أهل الحصن ذلك جعلوا يتسللون في الليل، ويُدَلّون أنفسهم بالحبال.
وفي خبر أبي عمير بن عبد الباقي زيادات، منها خبر الجارية التي سَباها الرشيد من هذا الحصن، وهي ابنة بطريقِه، وكانت ذات حسن وجمال، فزايد فيها صاحب الرشيد في المغنم، وبالغ فيها حتى اشتراها له، فبلغت من قلبه، وبنى لها نحو الرافقة بأميال على طريق بالس حصنًا سماه هرقلة على الفرات، يحاكي به حصن هرقلة ببلاد الروم، في خبر طويل قد أتينا على جميعه في