البحر، فأمرهم وَهْرِز أن يحرقوا السفن ليعلموا أنه الموت، ولا وجه يؤملون المفرّ إليه فيجهدون أنفسهم، وفي ذلك يقول رجل من حضرموت:-
أصبح في مَثْوَب ألفٌ في الجُنَنْ ... من رهط ساسان ورهط مهرسن
ليخرجوا السودان من أرض اليمن ... دَلّهُمُ قَصْد السبيل ذو يَزَنْ
في شعر له طويل، ونما خبرهم إلى ملك اليمن مسروق بن أبرهة، فأتاهم في مائة ألف من الحبشة وغيرهم من حمير وكهلان ومن سائر من سكن اليمن من الناس وتصافَّ القوم، وكان مسروق على فيل عظيم، فقال وَهْرز لمن كان معه من الفرس: اصدقوهم الحملة، واستشعروا الصبر، ثم تأمل ملكهم وقد نزل عن الفيل فركب جملًا، ثم نزل عن الجمل فركب فرسًا، ثم أنف أن يحارب على فرس فركب حمارًا استصغارًا لأصحاب السفن، فقال وَهْرزُ: ذهب ملكه، وتنقل من كبير إلى صغير، وكان بين عينَي مسروق ياقوتة حمراء معلقة في تاجه بمعلاق من الذهب تضيء كالنار، فرمى وَهْرزُ، ورمى القوم، وقال وَهرزُ لأصحابه: قد رميت ابن الحمارة، فانظروا إن كان القوم يجتمعون عليه ولا يتفرقون عنه فهو حي، وإن كان أصحابه يجتمعون عليه ويتفرقون عنه فقد هلك، فنظروا إليهم فرأوهم يجتمعون ويتفرقون عنه، فأخبروه بذلك، فقال: احملوا على القوم واصدقوهم فحملوا عليهم وصدقوهم، فانكشفت الحبشة وأخذهم السيف، ورفع رأس مسروق ورؤوس خواص الحبشة ورؤسائهم، فقتل منهم نحو ثلاثين ألفًا، وقد كان أنو شروان اشترط على معديكرب شروطًا: منها أن الفرس تتزوج باليمن ولا تتزوج اليمن منها وفي ذلك يقول الشاعر:-
على أن ينكحوا النسوان منهم ... ولا ينكحوا في الفارسينا