نومًا عرضيا، لأنه ليس النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والشيوخ الذين خرجوا من موقع السرور أو مخافة الشر، وكذلك نوم الليل على ما وصفنا، والوجه الآخر- وهو النوم الكلي الذي يعم الأطفال والعجائز والطبقات الحيوانية ذوات الفكر وغيرها- وهي طبيعة توجبها الخلقة في وقته ضرورة كما يوجب الجوع في وقته ضرورة، لأن الجوع عند أهل صناعة الطب علة، وهي الموجبة تحديد الكبد من الفراغ من الأغذية.
ومنهم من رأى أن النفس تدرك صورة الأشياء على ضربين: أحدهما حس والآخر فكر، فالصورة المحسوسة لا تدركها إلا في هيئتها، فإذا تخلص علمها عندها كان إدراكها مفردًا من طبعها، فيكون فكر الإنسان ما لم يتم تابعا للحس، حتى إذا نام فعدمت النفس الحواس كلها كانت تلك الصورة التي أخذتها من أعيان الأشياء فيها قائمة كأنها محسوسة، لأن الحس بها في أعيانها كان قبل استيلائها بالفكر ضعيفا، فلما ارتفع الحس قوي الفكر فصار يُصَوِّر الأشياء كأنها محسوسة يخطر على بال النائم منها كما يخطر على باله إذا كان يَقْظَان الشيء الذي قد كان أنيسه، وليس لذلك نظام، وإنما هو ما اتفق، فلذلك يرى الإنسان كأنه يطير وليس بطائر، وإنما يرى صورة الطيران مفردة كما يعلمها إذ غابت، ولكن فكرته فيها تقوى حتى كأنها معاينة له، فأما ما يراه النائم من الأشياء التي تدل على ما يريد فإنما ذلك لأن النفس عالمة بالصور، فإذا خلصت في المنام من شوائب الأجسام أشرفت على ما تريد أن ينالها،