فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 1697

أقبلت حية صغيرة حتى دَنَتْ منهم، فحَصَبَها بعضهم بشيء في وجهها، فرجعت، فَشَدُّوا سفرتهم ثم قاموا فشدوا على إبلهم وارتحلوا من منزلهم، فلما برزوا عن المنزل أشرفت عليهم عجوز من كثيب رمل متوكئة على عصا لها، فقالت: ما منعكم أن تطعموا رحيمة الجارية اليتيمة، التي جاءتكم عشية؟ قالوا: ومن أنْتِ؟ قالت: أم العوام، أوتِمْتُ منذ أعوام، أما ورب العباد لتفترقُنَّ في البلاد، ثم ضربت بعصاها الأرض فأثارت بها الرمل، وقالت: أطيلي إيابهم، وأنْفِرِي ركابهم، فوثبت الإبل فكأن على ذِرْوَةِ كل بعير منها شيطانًا، ما نملك منها شيئًا، حتى افترقت في البوادي، فجمعناها من آخر النهار إلى غد، ولم نكد، فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز فعادت بالعصا كفعلها أولا، وعادت إلى مقالتها: ما منعكم أن تطعموا رحيمة الجارية اليتيمة؟ أطيلي إيابهم وانفرِي ركابهم، فخرجت الإبل ما نملك منها شيئًا، فجمعناها من آخر النهار إلى غد، ولم نكد، فلما أنخناها لنرحلها طلعت علينا العجوز، ففعلت مثل فعلتها الأولى والثانية، فتفرقت الإبل وأمسينا في ليلة مُقمرة، وقد يئسنا من ظهورنا، فقلنا لأمية بن أبي الصّلْتِ: أين ما كنت تخبرنا به عن نفسك؟ فتوجه إلى ذلك الكثيب الذي كانت تأتي منه العجوز حتى هبط من ناحية اخرى، ثم صعد كثيبًا آخر حتى هبط منه، ثم رفعت له كنيسة فيها قناديل، وإذا رجل جالس أبيض الرأس واللحية. قال أمية: فلما وقفت عليه رفع رأسه إلي وقال: إنك لمتبوع. قلت: أجل. قال: فمن أين يأتيك صاحبك؟ قلت: من أذني اليسرى. قال: فبأي الثياب يأمرك؟ قلت: بالسواد. قال: هذا خَطْب الجن، كدت ولم تفعل، ولكن صاحب هذا الأمر يكلمه في أذنه اليمنى، وأحَبُّ الثياب إليه البياضُ، فما جاء بك؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت