فلما عبر منهم النصف أو نحوه حمل عليهم جرير فيمن تسرَّعَ معه من بجيلة، فثبتوا ساعة، فقتل المرزبان، وأخذهم السيف، وغرق أكثرهم في دجلة، وأخذ المسلمون ما كان في عسكرهم، وسار جرير فاجتمع مع المُثنَّى بن حارثة الشيباني بالبجلة، فأقبل إليهما مهران في جيوشه: فامتنع المسلمون من العبور إليهم، فعبر مهران وبغى على المسلمين، فالتقوا وصبر الفريقان جميعًا حتى قتل مهران، قتله جرير بن عبد الله البجلي وحسان بن المنذر بن ضرار الضبي، ضربه البجلي، وطعنه الضبي، وفاز جرير بمنطقته وسلبه وتنازع جرير وحسان في أيهما القاتل لمهران، وقد كان جرير ضربه بعد أن طعنه حسان، ولحسان في ذلك أبيات:-
أ لم ترني خالَسْتُ مهران نَفْسَه ... بأسْمَرَ فيه كالخلال طرير
فخر صريعًا والتَقَاني برِجْلِهِ ... وبادر في رأس الهمام جرير
فقال: قتيلي، والحوادث جمة، ... وكاد جرير للسرور يطير
فقال أبو عمرو: وقتلى قتلته ... ومثلي قليل والرجال كثير
فأرسل يمينًا أن رمحك نالَهُ ... وأكرم أن تحلف وأنت أمير
وقد تنازع أهل الأخبار والسير في جرير والمثنى: فمن الناس من ذهب الى أن جريرًا كان هو المولَّى على الجيش، ومنهم من رأى أن جريرًا على قومه والمثنى على قومه.
ولما قتل مهران أعْظَمت الفرس ذلك، وسار شيرزاد في جمع فارس الأعظم وكنيته بوران، وقد كانت جمهرة الأساورة تقدمت وتقدم أمامهم رستم: فتنحى المسلمون لما بلغهم مسيره، فلحق جرير بكاظمة فنزلها، وسار المثنى بقومه من بكر بن وائل فنزل بسيراف، وبها آبار كثيرة بين الكوفة وزبالة على ثلاثة أميال من المنزل المعروف بواقصة، وكان المثنى قد أصيب بجراحات كثيرة في بدنه يوم الجسر