والحديث الآخر:"تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان" [1] فأخطأ في تأويله وإنما عنى في هذه الأحاديث في قوله: يجيء القرآن وتجيء البقرة وتجيء الصلاة ويجيء الصيام ويجيء ثواب ذلك كله، وكل هذا مبين في الكتاب والسنة. قال الله عز وجل: فَمَنْ { يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } (8) [2] فظاهر اللفظ من هذا أنه يرى الخير والشر، ليس يرى الخير والشر، وإنما يرى ثوابهما والجزاء عليهما من الثواب والعقاب. كما قال عز وجل: يَوْمَ { تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا } [3] وليس يعني أنها تلك الأعمال التي عملتها بهيئتها وكما عملتها من الشر، وإنما تجد الجزاء على ذلك من الثواب والعقاب. كما قال تعالى: مَنْ { يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ } بِهِ [4] فيجوز في الكلام أن يقال: يجيء القرآن، تجيء الصلاة، وتجيء الزكاة، يجيء الصبر، يجيء الشكر، وإنما يجيء ثواب ذلك كله يجزى من عمل السيء بالسوء، ألا ترى إلى قوله تعالى: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
(1) أحمد (5/249) ومسلم (1/553/804) من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.
(2) الزلزلة الآيتان (7و8) .
(3) آل عمران الآية (30) .
(4) النساء الآية (123) .