ينطق ولا ينفع ولا يضر، فإنما يدور الجهمي في كلامه واحتجاجه على إبطال صفات الله ليبطل موضع الضر والنفع والمنع والعطاء، ويأبى الله إلا أن يكذبه ويدحض حجته، فتفكروا رحمكم الله فيما اعتقدته الجهمية وقالته وجادلت فيه ودعت الناس إليه، فإن من رزقه الله فهمًا وعقلًا ووهب له بصرًا نافذًا وذهنًا ثاقبًا، علم بحسن قريحته ودقة فطنته أن الجهمية تريد إبطال الربوبية ودفع الإلهية، واستغنى بما يدله عليه عقله وتنبهه عليه فطنته عن تقليد الأئمة القدماء والعلماء والعقلاء الذين قالوا: إن الجهمية زنادقة، وأنهم يدورون على أن ليس في السماء شيء، فإن القائلين لذلك بحمد الله أهل صدق وأمانة وورع وديانة، فإن من أنعم النظر، وجد الأمر كما قالوا، فإن الجهمية قالوا: إن الله ما تكلم قط ولا يتكلم أبدًا، فجحدوا بهذا القول علمه وأسماءه وقدرته وجميع صفاته، لأن من أبطل صفة واحدة، فقد أبطل الصفات كلها، كما أنه من كفر بحرف من القرآن فقد كفر به كله. وقالوا: إنه لا يرى في القيامة، فما بالهم لا يألون أن يأتوا بما فيه إبطاله وإبطال البعث والنشور والجنة والنار؟ وقالوا: إن الله ما كلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا، ولا هو على عرشه. وقالوا: إن الجنة والنار لم تخلقا بعد، ثم قالوا إنهما إذا خلقتا، فإنهما تبيدان وتفنيان. وقالوا إن أهل القبور لا يعذبون إبطالًا للرجوع بعد الموت. وقالوا: إنه لا ميزان، ولا صراط، ولا حوض، ولا شفاعة، ولا كتب، وجحدوا باللوح المحفوظ، وبالرق المنشور، وبالبيت المعمور، فليس حرف واحد من كلامهم يسمعه من يفهمه إلا وقد علم أنه يرجع إلى الإبطال والجحود بجميع ما نزلت به الكتب وجاءت به الرسل، حتى إنهم