وقال جهم والمعتزلة والقدرية: هو مخلوق ولا يتصور على أصلهم أن ما يتلونه من القرآن يصفونه بأنه مخلوق لله كسائر مخلوقاته من السماء والأرض، وهما من الأجسام، بل هو خلق لهم كخلقهم لجميع أقوالهم التي ينطقون بها من الشعر والنثر وسائر الكلام.
وقالت الكلابية والأشعرية: كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، وكذلك القول عندهم في كلام البشر هو معنى قائم بذات المتكلم. وهذه الحروف والأصوات المسموعة منهم عبارة عن المعنى القائم بالذات لا تسمى كلاما حقيقة بل مجازا أو توسعا. والأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق.
وزعم قوم أن هذا القرآن كلام الله ووقفوا، وقالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وهم الواقفة. [1]
-ثم قال رحمه الله: إذا تقرر ما ذكرنا أن القرآن غير مخلوق، وأن القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو القرآن العربي، السور والآيات المتلو باللسان والمسموع بالآذان المعقول بالأذهان المحفوظ في الصدور المكتوب بالمصاحف بالسطور له أول وآخر وبعض، فمن قال بخلقه فهو كافر كفرا يخرجه عن الملة، لما تقدم ذكره في الفصل قبل هذا، وقد وافقنا الأشعرية على أن القرآن غير مخلوق، ومن
(1) الانتصار في الرد على المعتزلة (2/541-545) .