الإلهيات خلطوا؛ ولذلك اختلفوا فيها ولم يختلفوا في الحسيات والهندسيات. وقد ذكرنا جنس تخليطهم في معتقداتهم.
وسبب تخليطهم أن قوى البشر لا تدرك العلوم إلا جملة، والرجوع فيها إلى الشرائع. وقد حكي لهؤلاء المتأخرين في أمتنا أن أولئك الحكماء كانوا ينكرون الصانع، ويدفعون الشرائع ويعتقدونها نواميس وحيلًا، فصدقوا فيما حكي لهم عنهم، ورفضوا شعار الدين وأهملوا الصلوات ولابسوا المحذورات واستهانوا بحدود الشرع وخلعوا ربقة الإسلام، فاليهود والنصارى أعذر منهم لكونهم متمسكين بشرائع دلت عليها معجزات، والمبتدعة في الدين أعذر منهم لأنهم يدعون النظر في الأدلة، وهؤلاء لا مستند لكفرهم إلا علمهم بأن الفلاسفة كانوا حكماء. أتراهم ما علموا أن الأنبياء كانوا حكماء وزيادة؟
وما قد حكي لهؤلاء الفلاسفة من جحد الصانع محال؛ فإن أكثر القوم يثبتون الصانع ولا ينكرون النبوات وإنما أهملوا النظر فيها وشذ منهم قليل، فتبعوا الدهرية الذين فسدت أفهامهم بالمرة، وقد رأينا من المتفلسفة من أمتنا جماعة لم يكسبهم التفلسف إلا التحير، فلا هم يعملون بمقتضاه ولا بمقتضى الإسلام؛ بل فيهم من يصوم رمضان ويصلي، ثم يأخذ في الاعتراض على الخالق وعلى النبوات، ويتكلم في إنكار بعث الأجساد ولا يكاد يرى منهم أحد إلا ضربه الفقر فَأَضَرَّ بِهِ، فهو عامة زمانه في تسخط على الأقدار والاعتراض على المقدر، حتى قال لي بعضهم: أنا لا أخاصم إلا من فوق الفلك. وكان يقول أشعارًا كثيرة في هذا المعنى، فمنها قوله في صفة الدنيا