كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف بمن دونهم من الأولياء؟ وإن كان خاتم الأولياء تابعا في الحكم لما جاء به خاتم الرسل من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه، ولا يناقض ما ذهبنا إليه، فإنه من وجه يكون أنزل، ومن وجه يكون أعلى.
قال: ولما مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - النبوة بالحائط من اللَّبِن، فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو - صلى الله عليه وسلم - موضع اللبنة [1] . وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤيا، فيرى ما مثله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ويرى نفسه في الحائط موضع لبِنتين، ويرى نفسه تنطبع في موضع تينك اللبنتين، فيكمل الحائط. والسبب الموجب لكونه رآها لبنتين أن الحائط لبنة من ذهب ولبنة من فضة، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو آخذ عن الله في السر ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه، لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلابد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن؛ فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى به إلى الرسول. [2]
وقال ابن تيمية أيضا: ولهذا ادعى أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك، الذي يوحى به إلى الأنبياء. والنبي عنده يأخذ من المَلَك الذي يوحى به إلى الرسل، لأن النبي عنده يأخذ من الخيالات التي تمثلت في نفسه لما صورت له
(1) أخرجه أحمد (2/398) والبخاري (6/693/3535) ومسلم (4/1790/2286) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين".
(2) المنهاج (5/336-338) .