عندهم من هذا الاعتقاد في ذلك الإمام إذا بلغهم أن أحد علماء الاجتهاد الموجودين يخالفه في مسألة من المسائل، كان هذا المخالف قد ارتكب أمرا شنيعا، وخالف عندهم شيئا قطعيا، وأخطأ خطئا لا يكفره شيء، وإن استدل على ما ذهب إليه بالآيات القرآنية والأحاديث المتواترة لم يقبل منه ذلك ولم يرفع لما جاء به رأسا كائنا من كان، ولا يزالون منتقصين له بهذه المخالفة انتقاصا شديدا على وجه لا يستحلونه من الفسقة ولا من أهل البدع المشهورة كالخوارج والروافض، ويبغضونه بغضا شديدا فوق ما يبغضون أهل الذمة من اليهود والنصارى. ومن أنكر هذا فهو غير محقق لأحوال هؤلاء.
وبالجملة فهو عندهم ضال مضل، ولا ذنب له إلا أنه عمل بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، واقتدى بعلماء الإسلام في أن الواجب على كل مسلم تقديم كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على قول كل عالم كائنا من كان. [1]
-وفيه: وإذا تقرر لك إجماع أئمة المذاهب الأربعة على تقديم النص على آرائهم، عرفت أن العالم الذي عمل بالنص وترك قول أهل المذاهب هو الموافق لما قاله أئمة المذاهب، والمقلد الذي قدم أقوال أهل المذاهب على النص هو المخالف لله ولرسوله ولإمام مذهبه ولغيره من سائر علماء الإسلام.
ولعمري إن القلم مبري بهذه النقول على وجل من الله وحياء من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيا لله العجب -أيحتاج المسلم في تقديم قول الله أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - على قول أحد من علماء أمته إلى أن يعتضد بهذه النقول. يا لله العجب، أي
(1) القول المفيد (ص.53) .