مناصبها، زعمًا منهم أن (رجال الدين) لا يصلحون لشيء من أعمال الدنيا، أيًّا كان مبلغهم من العلم والثقافة والمعرفة، وحصروا الألوف من العلماء المثقفين فيما سمّوه المناصب الدينية، حتى لا مُتنفّس لهم، فإن ضجوا أو تذمروا حجّوهم بأنهم رجال الدين، زعموهم رهبانًا، ولا رهبانية في الإسلام. [1]
إلى أن قال: إن قَسْمَ المتعلمين في الأمة إلى فريقين أو معسكرين مكّن لأقواهما من أن يستأثر بالتشريع والإفتاء، فيحدوَ بالأمة ويعدل بها عن سواء الصراط. ذلك أنهم أُفهموا وعُلّموا أن مسائل التشريع ليست من الدين، وظنوا أن الدين الإسلامي كغيره من الأديان، وأنّ تعرّض العلماء والفقهاء لهذه المسائل تعرّض لما لا يعنيهم، وعصبية للاحتفاظ بسلطانهم، شبّهوهم بالقسس في أوربة، وغلبت عليهم مبادئ الثورة الفرنسية في محاربة الكنيسة، فاندفعوا في عصبيتهم ضدّ شريعتهم ودينهم، وأبوا أن يسمعوا قولًا لقائل، أو نصحًا لناصح. وذهبوا يضعون القوانين للمسلمين، على غرار القوانين التي وضعت لغيرهم، بأنها توافق مبادئ التشريع الحديث!!
وابتُلي فريق منا بهذا التشريع الحديث، فذهبوا يلعبون بدينهم، فيما عرفوا وما لم يعرفوا، فأحلّوا وحرّموا، وأنكروا وأقرّوا، واضطربوا وترددوا، وكثير منهم يؤمن بالإسلام، ويحرص على التمسك به، ولكنه أخطأ الطريق، بما أُشرب في قلبه من مبادئ التشريع الحديث. واندفع العامة والدهماء وراءهم، يقلدون سادتهم وكبراءهم، ويتّبعون خطواتهم. ومرج أمر الناس
(1) الكتاب والسنة يجب أن يكونا مصدر القوانين (ص.17-18) .