أصحاب نبي غيره من الأنبياء السابقين، فكان ذلك من أعظم مواريث الإنسانية كلها في الأخلاق والتشريع وتكوين الأمم الاجتماعي والتقريب بين البشر في طبقاتهم وأجناسهم وأوطانهم وألوانهم، ولا يغمط جيل الصحابة فيما قاموا به للإنسانية من ذلك إلا ظالم يغالط في الحق إن كان غير مسلم، أو زنديق يبطن للإسلام غير الذي يظهره لأهله إن كان من المنتسبين إليه. وميراثنا الثالث من المواريث التي صارت إلينا عن الصحابة حسن عرضهم هذا الإسلام على الأمم ممثلا بأخلاقهم الإسلامية السليمة وأعمالهم الجليلة الرحيمة، فحببوه بذلك إلى الناس، وعرفوهم به من طريق القدوة والأسوة، فكان ذلك سبب دخول الأمم في الإسلام إلى أقصى آفاق المعمورة المعروفة في أزمنتهم. وهذه الفضيلة قد شارك عمال الخلفاء الراشدين فيها من جاهد بعدهم من الصحابة والتابعين تحت رايات الخلفاء من قريش الذين كان من أعلام نبوة النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا التنويه بهم في حديث جابر بن سمرة في الصحيحين [1] ، ورؤيا النبي - صلى الله عليه وسلم - في قباء عن جهاد معاوية رضي الله عنه في البحر، ورؤياه الثانية يومئذ عن حملة ابنه في حصار القسطنطينية [2] ، وهؤلاء
(1) وهو قوله عليه الصلاة والسلام:"لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة". ثم قال كلمة لم أفهمها. فقلت لأبي: ما قاله؟ فقال:"كلهم من قريش". أخرجه: أحمد (5/86،87،88،90) والبخاري (13/261/7222، 7223) ومسلم (3/1452-1453/1821 [7] ) واللفظ له. وأبو داود (4/471-472/4279،4280) والترمذي (4/434/2223) من طرق عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكره.
(2) البخاري (6/127/2924) عن خالد بن معدان أن عمير بن الأسود العنسي حدثه أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل في ساحة حمص وهو في بناء له ومعه أم حرام، قال عمير: فحدثتنا أم حرام أنها سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أول جيش من أمتي يغزون البحر قد أوجبوا. قالت أم حرام: قلت يا رسول الله: أنا فيهم؟ قال: أنت فيهم، ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. فقلت: أنا فيهم يا رسول الله؟ قال: لا". قال المهلب: في هذا الحديث منقبة لمعاوية لأنه أول من غزا في البحر، ومنقبة لولده يزيد لأنه أول من غزا مدينة قيصر. وقد حدث أنس بن مالك عن أم حرام هذا الحديث أتم من هذا السياق."