-قال في تأييده لرسالة القسام والقصاب التي قررا فيها بدعية الجهر بالذكر في تشييع الجنائز: الدين الإسلامي يكفل للبشر السعادة في كل زمان ومكان، ويفي بحاجيّاته في كل عصر ومصر؛ لانطباقه على نواميس العمران، وابتناء أحكامه على قواعد محكمة، لا تكاد تزعزعها الأعاصير والعواصف، كما يشهد بذلك فلاسفة الاجتماع وعلماء العمران.
وقد نال الصدر الأول من السعادة التامة، والملك الكبير، والسلطان العظيم ما لا يقوم بوصفه البيان، ولا يمتري فيه إنسان، ذلك بما نفخه هذا الدين فيهم من روح العلم والعمل، والتواصي بالحق، والتعاون على البر والتقوى، حتى إذا دار الزمان دورته؛ دسّ أناسٌ من أعداء الدين أنفسَهم فيه، وتزيّوا بزيّ أهله، وصاروا يعملون على هدمه بما يضعون من أحاديث، ويدسون من روايات ليس لها أقل حظ من الصحة والصدق، ففشت بذلك البدع والأهواء، وثارت أعاصير القلاقل والفتن بين المسلمين، وكثر بينهم الشقاق، وزاد النفاق، حتى إذا انشقت عصا وحدتهم، وانقسموا إلى فِرق وأحزاب، كل حزب فرح بما لديه، وكلّ فرقة تكفّر الأخرى؛ لمخالفتها لها في المشرب ومباينتها إياها في المذهب.
ظل أهل الإسلام على هذه الحالة حينا من الدهر، والعدو يتربص بهم الدوائر، وَهُمْ { يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا } (104) [1] ، لا يكادون يشعرون بحالتهم، ولا يعلمون أيان مصيرهم، حتى قيض الله في هذا العصر فئة من
(1) الكهف الآية (104) .