سوط، وسأله عن ابني أخيه محمد وإبراهيم، فأنكر أن يعرف مكانهما، فسألت جدته العثماني في ذلك الوقت، وارتحل المنصور عن الربذة وهو في قبة، وأوهن القوم بالجهد، فحملوا على المحامل المكشوفة، فمر بهم المنصور في قبته على الجمازة فصاح به عبد الله بن الحسن: يا أبا جعفر ما ما هكذا فعلنا بكم يوم بدر، فصيرهم الى الكوفة، وحبسوا في سرداب تحت الأرض لا يفرقون بين ضياء النهار وسواد الليل، وخَلَّى منهم سليمان وعبد الله ابْني داود بن الحسن بن الحسن وموسى بن عبد الله بن الحسن والحسن بن جعفر، وحبس الآخرين ممن ذكرناهم حتى ماتوا، وذلك على شاطئ الفرات بالقرب من قنطرة الكوفة، ومواضعهم بالكوفة تُزار في هذا الوقت، وهو سنة اثنتين وثلاثين وثلثمائة، وكان قد هدم عليهم الموضع، وكانوا يتوضئون في مواضعهم، فاشتدت عليهم الرائحة، فاحتال بعضُ مواليهم حتى أدخل اليهم شيئًا من الغالية فكانوا يدفعون بشمها تلك الروائح المنتنة، وكان الورم يبدو في أقدامهم فلا يزال يرتفع حتى يبلغ الفؤاد فيموت صاحبه.
وذكر من وجه آخر أنهم لما حبسوا في هذا الموضع أشكل عليهم أوقات الصلاة فجزَّأوا القرآن خمسة أجزاء، فكانوا يصلون الصلاة على فراغ كل واحدٍ منهم من حزبه، وكان عدد من بقي منهم خمسة، فمات اسماعيل بن الحسن، فترك عندهم حتى جَيَّفَ، فصعق داود بن الحسن فمات، وأتي برأس إبراهيم بن عبد الله فوجه به المنصور مع الربيع إليهم، فوضع الرأس بين أيديهم وعبد الله يصلي فقال له إدريس أخوه: أسرع في صلاتك يا أبا محمد، فالتفت إليه وأخذ الرأس فوضعه في حجره وقال له: أهلًا وسهلًا يا أبا القاسم، والله لقد كنت- ما علمتُكَ- من الذين قال الله عز وجل فيهم: (الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يَصِلون ما أمر الله به أن يوصل) - الى آخر الآية فقال له الربيع: كيف أبو القاسم في نفسه؟