قال: كما قال الشاعر:-
فتىً كان يحميه من الذل سَيْفه ... ويكفيه أن يأتي الذنوب اجتِنابها
ثم التفت الى الربيع فقال له: قل لصاحبك قد مضى من بؤسنا أيام، ومن نعيمك أيام، والملتقى يوم القيامة، قال الربيع: فما رأيت المنصور قط أشد انكسارًا منه في الوقت الذي بلّغته فيه هذه الرسالة. فأخذ هذا المعنى العباس بن الأحنف فقال:-
فإن تلحظي حالي وحالَكِ مرةً ... بنظرة عين عن هوى النفس تحجب
ترَيْ كل يوم مرّ من بؤس عيشتي ... تمر بيوم من نعيمك يُحْسب
قال المسعودي: ولما أخذ المنصور عبد الله بن الحسن وإخوته والنفر الذين كانوا معه من أهل بيته صعد المنبر بالهاشمية، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: يا اهل خراسان، أنتم شيعتنا وأنصارنا، واهل دعوتنا، ولو بايعتم غيرنا، لم تبايعوا خيرًا منا، إن ولد ابن أبي طالب تركناهم والذي لا إله إلا هو والخلافة فلم نعرض لهم لا بقليل ولا بكثير. فقام فيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه فما أفلح، وحكم الحكمين، فاختلفت عليه الأمة، وافترقت الكلمة، ثم وثب عليه شيعتهُ وأنصاره وثقاته فقتلوه، ثم قام بعده الحسن بن علي رضي الله عنه فو الله ما كان برجل، عُرِضت عليه الأموال فقبلها، ودسَّ إليه معاوية إني أجعلك وليّ عهدي، فخلعه وانسلخ له مما كان فيه، وسلمه إليه، وأقبل على النساء يتزوج اليوم واحدة ويطلق غدًا أخرى، فلم يزل كذلك حتى مات على فراشه، ثم قام من بعده الحسين بن علي رضي الله عنه، فخدعه أهل العراق وأهل الكوفة أهل الشقاق والنفاق والإغراق في الفتن، أهل هذه المدرة السوء، وأشار الى الكوفة، فو الله ما هي لي بحرب فأحاربها، ولا هي لي بسلم فأسالمها، فرق الله بيني وبينها! فخذلوه وأبرءوا أنفسهم منه، فأسلموه حتى