وأخوه وراءه على الناقة، والفيل يخطر بين الصفين به، وبابك ينظر الى ذات اليمين وذات الشمال، ويميز الرجال والعُدَدَ، ويظهر الأسف والحنين على ما فاته من سفك دمائهم، غير مستعظم لما يرى من كثرتهم، وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من صفر سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ولم يرَ الناس مثل ذلك اليوم، ولا مثل تلك الزينة، ودخل الأفشين على المعتصم فرفع منزلته، وأعلى مكانه، وأتي ببابك فطوَّفَ به بين يديه، فقال له المعتصم، أنت بابك؟ فلم يجب، وكررها عليه مرارًا، وبابك ساكت، فمال إليه الأفشين وقال: الويل لك! أمير المؤمنين يخاطبك وأنت ساكت؟ فقال: نعم أنا بابك، فسجد المعتصم عند ذلك، وأمر بقطع يديه ورجليه.
قال المسعودي: ورأيت في كتاب أخبار بغداد أنه لما وقف بابك بين يديه لم يُكلمه مَلِيًا، ثم قال له: أنت بابك؟ قال: نعم، أنا عبدك وغلامك، وكان اسم بابك الحسن، واسم أخيه عبد الله، قال: جَرِّدوه، فسلبه الخدام ما عليه من الزينة، وقطعت يمينه، وضرب بها وجهه، وفعل مثل ذلك بيساره، وثلث برجليه، وهو يتمرغ في النطع في دمه، وقد كان تكلم بكلام كثير يرغب في أموال عظيمة قبله، فلم يلتفت إلى قوله، وأقبل يضرب بما بقي من زنديه وجهه، وأمر المعتصم السيَّاف أن يدخل السيف بين ضلعين من أضلاعه أسفل من القلب ليكون أطول لعذابه، ففعل، ثم أمر بجز لسانه وصلب أطرافه مع جسده فصلب ثم حمل الرأس إلى مدينة السلام، ونصب على الجسر، وحمل إلى خراسان بعد ذلك، يطاف به كل مدينة من مدنها وكورها، لما كان في نفوس الناس من استفحال أمره، وعظم شأنه، وكثرة جنوده، وإشرافه على إزالةُ مُلكٍ وقلب ملة وتبديلها وحمل أخوه عبد الله مع الرأس إلى مدينة السلام، ففعل به إسحاق بن إبراهيم أميرها ما فعل بأخيه بابك بسامرا، وصلبت جثة بابك على خشبة طويلة