المطالبة والظُّلامة، فرآه محقًا غير ضَرِع ولا متلجلج، فحمل الى الملك، فوقف بين يديه وقص حديثه على الملك، فلما أن أدى الترجمان إليه ما قاله، وفهم ظلامته، أمر به الى بعض المواضع، وأحسن إليه، وأحضر الوزيرَ وصاحب الميمنة وصاحب القلب وصاحب الميسرة وهم أناس قد رتبوا لذلك عند الملمات وحين الحروب، قد عرف كل واحد منهم مرتبته والمراد منه، فأمرهم الملك ان يكتب كل واحد منهم إلى صاحبه بالناحية، ولكل واحد منهم خليفة في كل ناحية، فكتبوا الى أصحابهم بخانقوا أن يكتبوا إليهم بما كان من خبر التاجر والخادم، وكتب الملك الى خليفته بالناحية بمثل ذلك، وقد كان خبر الخادم والتاجر اشتهر واستفاض، فوردت الكتب على بغال البريد بتصحيح ما قاله التاجر، وذاك ان ملوك الصين لها في سائر الطرق من أعمالها بغال للبريد مُسْرَجة محذوة الآلات للاخبار والخرائط، فبعث الملك فاستحضر الخادم، فلما وقف بين يديه سَلَبه ما كان انعم به عليه، ثم قال له: عمدت الى رجل تاجر قد خرج من بلد شاسع، وقطع مسالك، واجتاز بملوك في بر وبحر فلم يتعرض له، يؤمل الوصول الى مملكتي ثقة منه بعدلي، ففعلت به ما فعلت، وكان ينصرف عن ملكي، ويقبح الاحدوثة عن سيرتي، أما لو لا قديم حرمتك بنا لقتلتك، لكن أعاقبك بعقوبة إن عقلت فإنها أكبر من القتل، وهو أن أوليك مقابر الموتى من الملوك السالفة ان عجزت عن تدبير الأحياء والقيام بما إليه ندبت، وأحسن الملك إلى التاجر، وحمله الى خانقوا، وقال له: ان سمحت نفسك أن تبيع منا ما اختير لنا من متاعك بالثمن الجزيل، وإلا فأنت المحكم في مالك، أقم إذا شئت وبع كيف شئت، وانصرف راشدًا حيث شئت، وصَرَف الخادم الى مقابر الملوك.