وبعده ملكنا هذا، ونجده عندنا ملك الناس، لأنه لا أحد من الملوك أسوس منا، ولا أضبط لملكه من ضبطنا لملكنا، ولا رعية من الرعايا أطوع لملكها من رعيتنا، فنحن ملوك الناس، ومن بعده ملك السباع وهو ملك الترك الذي يلينا، وهم سباع الانس، ومن بعده ملك الفيلة، وهو ملك الهند، ونجده عندنا ملك الحكمة أيضًا لأن أصلها منهم، ومن بعده ملك الروم، وهو عندنا ملك الرجال، لأنه ليس في الارض أتم خلقًا من رجاله، ولا أحسن وجوهًا منهم، فهؤلاء اعيان الملوك والباقون دونهم. ثم قال للترجمان: قل له: أتعرف صاحبك إن رأيته؟ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال القرشي: وكيف لي برؤيته وهو عند الله عز وجل؟ فقال: لم أرد هذا، وإنما أردت صورته. فقلت: أجل، فأمَرَ بسَفَط، فأخرج فوضع بين يديه، فتناول منه درجًا، وقال للترجمان: أره صاحبه، فرأيت في الدرج صور الأنبياء، فحركت شفتي بالصلاة عليهم، ولم يكن عندهم أني أعرفهم، فقال للترجمان: سَله عن تحريكه لشفتيه، فسألني، فقلت: أصلي على الأنبياء، فقال: ومن أين عرفتهم؟ فقلت: بما صُوِّر من أمورهم، هذا نوح عليه السلام في السفينة ينجو بمن معه لما أمر الله عز وجل الماء فعمَّ الماء الأرض كلها بمن فيها وسلمه ومن معه، فقال: أما نوح فصدقت في تسميته، وأما غرق الأرض كلها فلا نعرفه، وإنما أخذ الطوفان قطعة من الأرض ولم يصل الى أرضنا، وإن كان خبركم صحيحًا فعن هذه القطعة، ونحن معاشر أهل الصين والهند والسند وغيرنا من الطوائف والأمم لا نعرف ما ذكرتم، ولا نَقَلَ إلينا أسلافنا ما وصفتم، وما ذكرت من ركوب الماء الأرض كلها فمن الكوائن العظام التي تفزع النفوس إلى حفظه وتتداوله الأمم ناقلة له، قال القرشي: فَهِبْتُ الرد عليه وإقامة الحجة لعلمي بدَفْعِهِ ذلك، ثم قلت: وهذا موسى صلى الله