ولا تخبره بشيء، فلما ورد الرسول بالقدح ودفعه إلى الفيلسوف قال بصحة فهمه وتبينه للأمور المتقنة المحكمة في نفسه: لأمرٍ ما بعث هذا الملك الحكيم بهذا السمن إلي، وأجال فكره، وسَبَر المراد به، ثم دعا بنحو ألف إبرة فغرز أطرافها في السمن، وأنفذها إلى الإسكندر، فأمر الإسكندر بسبكها كرة مدورة ململة متساوية الأجزاء، وأمر بردها إلى الفيلسوف، فلما نظر إليها الفيلسوف وتأمل فعل الإسكندر فيها أمر ببسطها، وبأن يتخذ منها مرآة بحضرته، وصَقَلَها، فصارت جسمًا صقيلًا ترد صورة من قابلها من الأشخاص، لشدة صفائها، وزوال الدرن عنها، وأمر بردها إلى الإسكندر، فلما نظر إليها، وتأمل حسن صورته فيها، دعا بطست فجعل المرآة فيه، وأمر بإراقة الماء فيه عليها حتى رسبت فيه، وأمر بحمل ذلك إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك أمر بالمرآة فجعل منها مشربة كالطرجهارة، وجعلها في الطست فوق الماء، فطفت فوقه، وأمر بردها إلى الإسكندر، فلما نظر الإسكندر إلى ذلك أمر بتراب ناعم فملئت منه، وردها إلى الفيلسوف، فلما نظر الفيلسوف إلى ذلك تغير لونه وحال، وجزع وتغيرت صفاته، وأسبل دموعه على صحن خده، وكثر شهيقه، وطال أنينه، وظهر حنينه، وأقام بقية يومه غير منتفع بنفسه، ثم أفاق من ذلك الحال، وزجر نفسه، وأقبل عليها كالمعاتب لها، وقال: ويحك يا نفس! ما الذي قذف بك في هذه السُّدْفة وأصارك إلى هذه الغمة، ووصلك بهذه الظلمة؟ أنسيت وأنت في النور تسرحين وفي العلوم تمرحين، وتنظرين في الضياء الصادق، وتنفسحين في العالم المشرق؟ أنزلت إلى