وقال عمرو بن العاص لمعاوية ذات يوم: قد أعياني أن أعلم أجبان أنت أم شجاع، لأني أراك تتقدم حتى أقول: أراد القتال، ثم تتأخر حتى أقول أراد الفرار، فقال له معاوية: والله ما أتقدم حتى أرى التقدم غنما، ولا أتأخر حتى أرى التأخر حزمًا، كما قال القطامي:-
شجاعٌ إذا ما امكنتني فرصة ... وإلا تكن لي فرصة فجبان
وذكر أبو مخنف لوط بن يحيى عن أبي الأعز التيمي، قال: بينا أنا واقف بصفين إذ مر بي العباس بن ربيعة مغفرًا بالسلاح، وعيناه تبصان من تحت المغفر كأنهما شعلتا نار أو عينا أرقم، وبيده صفيحة له يمانية يقلبها، والمنايا تلوح في شَفْرتها، وهو على فرس صَعْب، فبينا هو يبعثه ويمنعه ويلين من عريكته إذ هتف به هاتف يقال له عرار بن أدهم من أهل الشام: يا عباس، هلم إلى النزال قال: فالنزول اذًا، فإنه إياس من الحياة، فنزل إليه الشامي وهو يقول:-
إن تركبوا فركوب الخيل عادتنا ... أو تنزلوا فإنا معشر نُزُلُ
وثنى العباس وركه وهو يقول:-
الله يعلم أنا لا نحبكُمُ ... ولا نلومكُمُ أن لا تحبونا
ثم عصر فضلات درعه في محزمه يريد منطقته ودفع فرسه إلى غلام له اسود كأني والله أنظر إلى فلافل شعره، ثم زحف كل واحد منهما إلى صاحبه، وكف الفريقان أعنة الخيول ينظرون ما يكون من الرجلين، فتكافحا بسيفيهما مليًا من نهارهما لا يصل واحد منهما إلى صاحبه لكمال لأمته، إلى أن لحظ العباس وهنًا في درع الشامي فأهوى إليه بيده وهتكه إلى ثندؤته، ثم عاد لمجاولته، وقد أفرج له مفتق الدرع، فضربه العباس ضربة انتظم بها جوانح