فهرس الكتاب

الصفحة 2178 من 5468

حنبل رضي الله عنه وأرضاه، فكان أشد أهل زمانه في ذلك قولًا وأوكده فيه رأيًا وآخذ به على الخلق وأنصحه لهم، صبر في ذلك على البلاء من فتنته الضراء والسراء والشدة والرخاء والضرب الشديد بعد طول الحبس في ضنك الحديد، فبذل لله مهجة نفسه وجاد بالحياة لأهلها، وآثر الموت على أصعب العقوبات يرضى منه على بلوغ ما أوجب الله عز وجل على العلماء من القيام بأمره، ورحمة منه على الخلق وشفقا عليهم فأصبر لعظيم جهد بلاء الدنيا نفسه، واحتمل في ذات الله كل ما عجز الخلق أجمعون عن احتمال مثله أو بعضه أخذ بعنان الحق صابرًا على وعر الطريق وخشونة المسلك، منفردًا بالوحدة عاضًّا على لجام الصواب، جواد لمحبوب العافية لأهلها، إذ كانوا لا يصلون إليها إلا بفراق السنة؛ فحالف الوحشة وأنس بالوحدة فمضى على سنته على معانقة الحق غير معرج عنه، رضي بالحق صاحبًا وقرينًا ومؤنسًا لا يثنيه عن ذلك خلاف من خالفه ولا عداوة من عاداه، لا تأخذه في الله لومة لائم، لا يزعجه هلع ولا يستميله طمع ولا يزيغه فزع حتى قمع باطل الخلق بما صبره عليه من الأخذ بعنان الحق، لا يستكثر لله الكثير ولا يرضى له من نفسه بالقليل، صابرًا محتسبًا غير مدبر معانقًا لعلم الهدى غير تارك له، حتى أورى زناد الحق فاستضاء به أهل السنة فاتبعوه، وكشف عورات البدع وحذر من أهلها فلم يختلف عليه أحد من أهل العلم حتى رجعوا إلى قوله طوعًا وكرهًا، فدخلوا في الباب الذي خرجوا منه، وعادوا للحق الذي رغبوا عنه، واعترفوا له بفضل ما فضله الله به عليهم، فأقروا له بالإذعان وسمعوا له وأطاعوا إذ كان أتقاهم لله وأنظرهم لخلقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت